مقال
إيران بين المركزية والفيدرالية: الصراع على شكل الدولة
لا يعني هذا أن النظام الفيدرالي حلٌّ مضمونٌ لجميع مشاكل إيران. فقد حذّرت دراساتٌ عديدةٌ من أن نجاح أي نظامٍ فيدرالي يعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على طبيعة المؤسسات الس…
الكاتب: صفاء صبحي
تاريخ النشر:
بقلم صفاء صبحي
على مدى قرن تقريبًا، بُنيت الدولة الإيرانية الحديثة حول مركز قوي في طهران. ومنذ عهد رضا شاه في عشرينيات القرن الماضي، مرورًا بقيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، ظلت السلطة السياسية والإدارية والاقتصادية شديدة التركّز في العاصمة، مع صلاحيات محدودة للمناطق والأقاليم.
لكن التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها إيران خلال السنوات الأخيرة أعادت إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز مستقبل النظام الحاكم نفسه: هل تكمن أزمة إيران في من يحكم البلاد فقط، أم في الطريقة التي تُدار بها الدولة وتُوزّع فيها السلطة بين المركز والأطراف؟
من هنا عاد الحديث عن الفيدرالية واللامركزية باعتبارهما أحد السيناريوهات الدستورية التي يمكن مناقشتها لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمناطق. ولا يعني ذلك أن الفيدرالية حل جاهز لأزمات إيران، أو أن هناك نموذجًا واحدًا يمكن نقله من دولة إلى أخرى، بل إن السؤال الأساسي يتعلق بكيفية بناء نظام يستطيع الحفاظ على وحدة الدولة مع الاعتراف بتنوعها.
دولة متعددة الهويات ومركز شديد القوة
إيران دولة شديدة التنوع من الناحية اللغوية والثقافية، وتضم الفرس والأذربيجانيين والأكراد والعرب والبلوش والتركمان واللور والقشقاي وغيرهم. وتعيش هذه المكونات في مناطق تختلف في تركيبتها السكانية وظروفها الاقتصادية وخصوصياتها الثقافية.
ولا يعني هذا التنوع بالضرورة أن مكونات إيران تسعى إلى نماذج منفصلة للحكم، لكن طريقة إدارة هذا التنوع تصبح أكثر أهمية عندما تترافق المركزية السياسية مع شعور بعض المناطق بالتفاوت في التنمية أو محدودية المشاركة في صنع القرار.
وتشير أدبيات الحوكمة المقارنة إلى أن اللامركزية يمكن أن تحسن الإدارة والمساءلة والتنمية المحلية عندما تُصمم مؤسساتها بصورة واضحة وتُدعَم بآليات رقابة فعالة. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نتائج اللامركزية لا تعتمد على نقل الصلاحيات وحده، وإنما على الطريقة التي تُوزع بها المسؤوليات والموارد بين مستويات الحكم المختلفة.
وهنا تحديدًا تظهر الفكرة الفيدرالية.
الفيدرالية ليست تقسيمًا لإيران
في النظرية الدستورية، لا تعني الفيدرالية تفكيك الدولة إلى كيانات مستقلة، بل توزيع السلطات دستوريًا بين حكومة اتحادية وحكومات إقليمية، بحيث يمتلك كل مستوى من مستويات الحكم صلاحيات محددة ومحمية دستوريًا.
ولهذا تختلف التجارب الفيدرالية اختلافًا كبيرًا. فألمانيا ليست كندا، والهند ليست سويسرا، ولكل دولة تاريخها وتركيبتها ومؤسساتها. لكن القاسم المشترك بينها هو وجود أكثر من مستوى للحكم، مع تحديد دستوري للصلاحيات والعلاقة بين المركز والأقاليم.