مقال
حان الوقت لإلغاء تخصص إدارة الأعمال من الجامعات
مع حلول فصل الخريف هذا العام، وصلت دفعة جديدة من المهنيين الشباب الطموحين إلى كليات إدارة الأعمال في مختلف أنحاء العالم، للالتحاق ببرامج دراسية تمتد لعامين وتب…
الكاتب: عراق دريمز
تاريخ النشر:
كريستوفر ماركيز عن نيويورك تايمز
أصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً مع التوسع الهائل الذي شهده تعليم إدارة الأعمال خلال العقود الماضية. فاليوم، يختار نحو طالب واحد من كل خمسة طلاب جامعيين في الولايات المتحدة دراسة إدارة الأعمال تخصصاً رئيسياً، فيما أصبحت درجة الماجستير في إدارة الأعمال من أكثر شهادات الدراسات العليا انتشاراً في البلاد.
درّستُ في كليات إدارة الأعمال لأكثر من عشرين عاماً، في جامعات هارفارد وكورنيل وكامبريدج. ورغم أن بعض الطلاب لا يبدو أنهم يهتمون إلا برواتبهم المستقبلية، فقد التقيت كثيرين لديهم أهداف أكثر نبلاً: مهندسون يريدون تحويل تقنيات الطاقة النظيفة إلى مشاريع تجارية، وأطباء عازمون على إصلاح نظام الرعاية الصحية، وقادة في منظمات غير ربحية شهدوا فشل مبادرات ذات أهداف نبيلة بسبب سوء الإدارة.
يلتحق هؤلاء الطلاب بكليات إدارة الأعمال على أمل تعلم ما تقول هذه المؤسسات إنها تدرّسه: كيفية إدارة الأفراد، وتخصيص رأس المال والموارد، وجعل العالم مكاناً أفضل من خلال القيادة. لكنني أدركت، مع مرور الوقت، كيف يمكن لهذه المؤسسات أن تعيد تشكيل نظرة الملتحقين بها إلى العالم، وغالباً على نحو يقوّض الطموحات نفسها التي دفعتهم إلى الالتحاق بها. وقد يحدث هذا التحول خلال فصل دراسي واحد فقط.
لقد شاهدت مراراً طلاباً يتخلون عن نواياهم الإيثارية، لينشغلوا بدلاً من ذلك بالتفكير في ما إذا كان عليهم العمل في مجال الاستشارات أو القطاع المالي، ومن منهم سيتمكن من الحصول على تدريب صيفي في شركة ماكينزي أو غولدمان ساكس.
صُممت كليات إدارة الأعمال الحديثة لتعزيز عقلية إبرام الصفقات، وتبسيط المشكلات، وتحسين الكفاءة. لكن هذه العقلية لم تبقَ محصورة داخل جدرانها، بل انتشرت إلى العالم الأوسع، إذ باتت النخب الحاصلة على تعليم في إدارة الأعمال تشغل بصورة متزايدة مناصب قيادية سياسية، حاملة معها نظرة إلى الحياة العامة تقوم على منطق الصفقات وتبادل المصالح.
ووجد أحد التحقيقات أنه من بين 45 رئيس دولة حالياً درسوا في الولايات المتحدة، كان عشرة منهم قد تخصصوا في إدارة الأعمال، وحصل ستة من هؤلاء أيضاً على درجة الماجستير في إدارة الأعمال.
أما الرئيس دونالد ترامب، خريج كلية وارتون، فقد تعامل مع السياسة الخارجية والحكومة نفسها بوصفهما امتداداً لمنطق إبرام الصفقات وتحقيق المكاسب الشخصية.
لا يتصرف جميع خريجي إدارة الأعمال بهذه الطريقة، لكن أبحاثاً حديثة أجراها الاقتصادي الحائز جائزة نوبل دارون عجم أوغلو وزملاؤه تكشف ما يحدث عادة عندما يتولى شخص يحمل شهادة في إدارة الأعمال منصباً إدارياً. فقد خفّضت الشركات التي عيّنت مديرين يحملون شهادات في هذا التخصص أجور العاملين في الولايات المتحدة والدنمارك على حد سواء، وقلّصت حصة العمل من الدخل، من دون أن تصبح أكثر إنتاجية أو تسجل نمواً أسرع في المبيعات أو الاستثمارات أو التوظيف.
ما يُنظر إليه باعتباره براعة إدارية يتبين، في الواقع، أنه مجرد إعادة توزيع للثروة، إذ تُنقل القيمة الاقتصادية من العاملين إلى الأرباح والمساهمين والمديرين التنفيذيين.
لقد توصلت إلى قناعة مفادها أن كليات إدارة الأعمال لا تعكس نظامنا الاقتصادي فحسب، بل تسهم بنشاط في صياغة أولوياته، وتجعل أضراره تبدو أمراً طبيعياً ومقبولاً. فهي تدرّب قادة المستقبل الذين سيصممون الهياكل المسؤولة عن أزماتنا العالمية المتداخلة، ثم يدافعون عنها.
ولن يكون إدخال تعديلات هامشية، مثل إضافة مقرر عن المسؤولية الاجتماعية للشركات أو أخلاقيات الأعمال، كافياً لمعالجة هذه المشكلة. فنحن لسنا بحاجة إلى إصلاح كليات إدارة الأعمال، بل إلى إلغائها.