مقال

العراق.. حين فرّط الساسة بأثقال الدولة!

في دراسة قوة الدول وموقعها في النظام الدولي، لا يكفي النظر إلى شكل الدولة ومؤسساتها الرسمية وحدودها المعترف بها دولياً، فوجود العلم والعاصمة والجيش والحكومة لا…

العراق.. حين فرّط الساسة بأثقال الدولة!

الكاتب: صفاء صبحي

تاريخ النشر:

ومن هذه الزاوية، يقدم العراق حالة استثنائية في الشرق الأوسط؛ فهو دولة تمتلك مجموعة واسعة من الأثقال الاستراتيجية التي يفترض أن تمنحها مجالاً أكبر للحركة والتأثير، لكن هذه الأثقال لم تتحول بصورة متماسكة إلى قوة سياسية مستدامة. فالعراق يمتلك كتلة سكانية كبيرة، وموقعاً جغرافياً يقع عند تقاطع الخليج وبلاد الشام والأناضول وإيران، وعمقاً تاريخياً وحضارياً نادراً، وموارد طبيعية ونفطية واسعة، وثروات جيولوجية لم تستثمر بالكامل، وسوقاً كبيرة، ورأسمالاً بشرياً شاباً، إضافة إلى مجال رقمي آخذ في الاتساع.

ومع ذلك، ظل الوزن السياسي للعراق أقل من الوزن الذي يفترض أن تنتجه هذه العناصر مجتمعة.

لا تكمن المشكلة، إذاً، في غياب مقومات القوة، وإنما في ضعف القدرة السياسية والمؤسسية على جمع هذه الأثقال وتحويلها إلى استراتيجية وطنية متكاملة. وقد يكون هذا أحد أهم المفاتيح لفهم المسار العراقي خلال العقود الماضية: دولة ثقيلة بمقوماتها، لكنها لم تستخدم دائماً هذا الثقل بما يتناسب مع حجمها.

الثقل الديمغرافي

يمثل السكان أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة، لأن الكتلة السكانية لا تعني فقط اتساع السوق الداخلية، وإنما توفر أيضاً قوة عمل وقاعدة استهلاك وقدرات علمية وعسكرية ومخزوناً من المهارات والطاقات القابلة للتحول إلى إنتاج وابتكار.

ويمتلك العراق قاعدة سكانية تمنحه وزناً مهماً في المنطقة، لكن هذا الثقل لا يصبح قوة وطنية حقيقية إلا إذا تحول السكان إلى رأسمال بشري منتج من خلال التعليم الجيد والتدريب والتوظيف والإنتاجية والبحث العلمي.

وهنا تظهر إحدى مشكلات النموذج العراقي، إذ لم تتطور العلاقة بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي بالشكل الذي يسمح بتحويل الكتلة البشرية إلى محرك للإنتاج. كما أدى الاعتماد الكبير على الدولة في توفير الوظائف والدخل إلى جعل جزء من العلاقة بين المواطن والدولة قائماً على التوظيف العام والإنفاق، بدلاً من بناء اقتصاد قادر على خلق فرص إنتاجية واسعة خارج القطاع الحكومي.

وبذلك، لم يكن العراق يفتقر إلى الثقل الديمغرافي، بل افتقر إلى السياسات التي تحول هذا الثقل إلى قوة اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.

الثقل الجغرافي

إذا كان السكان يمثلون رأس المال البشري للدولة، فإن الجغرافيا تمثل أحد أهم أصولها الاستراتيجية الثابتة. والعراق يمتلك موقعاً يصعب تجاهله في أي تصور للنظام الإقليمي، فهو يقع بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام، ويمتلك منفذاً بحرياً وحدوداً واسعة، كما يقع على مسارات يمكن أن تربط بين مراكز اقتصادية وسياسية مهمة في المنطقة.

هذه الجغرافيا تمنح العراق إمكانية لعب دور في التجارة والنقل والطاقة والربط الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليه تحديات أمنية وسياسية معقدة. والمشكلة ليست في الموقع ذاته، وإنما في قدرة الدولة على تحويل الموقع من مصدر للتنافس الخارجي إلى مصدر للقوة الوطنية.

كان بإمكان العراق أن يجعل موقعه جزءاً من شبكة مصالح إقليمية ودولية تجعل استقراره ونموه مصلحة مشتركة لدى جيرانه وشركائه، إلا أن ضعف البنية التحتية وتذبذب السياسات الاقتصادية والأمنية، إلى جانب الصراعات الداخلية والتنافس الإقليمي، حدّ من قدرة بغداد على استخدام جغرافيتها كورقة استراتيجية.