مقال

غيث التميمي و السردية المضادة: حين تدخل الرواية الإسرائيلية إلى الفضاء العربي

في المشهد الإعلامي العربي، حيث ظلت العلاقة مع إسرائيل لعقود محكومة بسردية سياسية شبه مستقرة، يلفت غيث التميمي الانتباه بأسلوب مختلف: خطاب صادم، مباشر، لا يحاول…

غيث التميمي و السردية المضادة: حين تدخل الرواية الإسرائيلية إلى الفضاء العربي

الكاتب: عراق دريمز

تاريخ النشر:

صفاء صبحي

حين قال غيث التميمي في مقابلة مع قناة سكاي نيوز عربية، إنه صفق لخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكن يتوقع على ما يبدو أن تتحول هذه العبارة إلى واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل حول ظهوره الإعلامي.

فقد أشعل تصريحه موجة واسعة من ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي العربية، بين من اعتبر موقفه خروجاً صادماً عن المألوف في الخطاب العربي تجاه إسرائيل، ومن رأى فيه تعبيراً عن تحولات أعمق بدأت تفرض نفسها على النقاش العربي بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي تلته.

لكن أهمية التصريح لا تكمن في واقعة التصفيق بحد ذاتها، بقدر ما تكشفه من تحول في طبيعة الخطاب الذي يخاطب الجمهور العربي بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

فأن يعلن كاتب ومثقف عربي، وبصورة علنية، تأييده لخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي، يعني أن الرواية الإسرائيلية لم تعد تظهر في الفضاء العربي حصراً عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية أو القنوات الرسمية، وإنما باتت تجد أحياناً من يتبناها ويدافع عنها من داخل البيئة العربية نفسها.

ومن هنا تبدأ قصة غيث التميمي .

وهذا تحديداً ما يجعل ظاهرة التميمي أوسع من مجرد حالة فردية مثيرة للجدل.

التميمي، وهو باحث وكاتب عراقي يقيم في بريطانيا، يصف نفسه في منصاته بأنه “محامي الشيطان”، ويقدم خطابه باعتباره محاولة لطرح الأسئلة التي يتجنبها الآخرون. كما أعلن سابقاً عن مشروع أطلق عليه “صحافة ما بعد السابع من أكتوبر”، في إطار حديثه عن صحافة الحرب والسلام.

لكن الجديد في خطابه ليس مجرد انتقاد المواقف العربية التقليدية، وإنما استخدام ما يمكن وصفه بـ"العلاج بالصدمة" في مخاطبة جمهور عربي اعتاد، في جزء كبير منه، النظر إلى الصراع العربي الإسرائيلي من خلال ثنائية الضحية والعدو.

فبدلاً من تقديم إسرائيل باعتبارها موضوعاً يجب تفسيره حصراً من خلال الاحتلال والصراع الفلسطيني، يحاول هذا الخطاب قلب زاوية النظر: ماذا لو كان على العربي أن ينظر إلى إسرائيل أيضاً باعتبارها دولة لها مواطنون ومصالح ومخاوف وأمن قومي؟ وماذا لو أصبح الاعتراف بحق الإسرائيليين في الحياة والأمن جزءاً من النقاش العربي، بدلاً من أن يكون موقفاً هامشياً أو مثيراً للريبة؟

هذه الأسئلة لا تعني، بطبيعة الحال، إسقاط الرواية الفلسطينية أو تجاهل المسؤولية الإسرائيلية عن أفعال موثقة في الحرب. لكنها تكشف عن تحول مهم في طبيعة النقاش نفسه: دخول أصوات عربية إلى المجال العام وهي تتبنى أجزاء أساسية من الرواية الإسرائيلية، وتجادل بها من داخل اللغة العربية ولجمهور عربي، لا من خلال وسائل إعلام إسرائيلية أو خطاب دبلوماسي رسمي.

وقد سبقت هذه الظاهرة محاولات إسرائيلية للوصول مباشرة إلى الجمهور العربي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهرت دراسات أكاديمية تناولت صفحة “إسرائيل تتحدث بالعربية” أن الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية عملت على تقديم إسرائيل للجمهور العربي من خلال موضوعات تتعلق بالسلام والتعايش والأمن، إلى جانب استخدام أصوات عربية في بعض المضامين الموجهة إلى هذا الجمهور.